الحدث الجزائري

السلطة تورط القضاء مجددا بشأن قضية”الخبر”

القرار الذي أصدرته المحكمة الإدارية، أمس، بشأن قضية “وزارة الاتصال ـ ربراب ـ الخبر”، يعد سابقة خطيرة في تاريخ القضاء الجزائري. فتجميد عقد البيع يعني أن “ناس برود”، فرع مجموعة “سيفيتال”، لم تعد مالكة لأسهم مجمع “الخبر”. ولكن يعني أيضا أن الحصص التي حولت لـ”ناس برود” لن تعود إلى أصحابها الأوائل وهم مساهمو “الخبر”. في هذه الحالة تبقى الأسهم معلقة، وهو ما يجعل قرار المحكمة غريبا، ولا معنى له.

 ما حدث أمس يخرج عن منطق القانون، فالمحكمة جمدت إرادة مساهمي “الخبر” في البيع، وجمدت إرادة “ناس برود” في شراء الأسهم، بعد أن تم التعبير عن الإرادتين بإتمام الصفقة ! بينما الأصل أن القضاء يتدخل في مثل هذه الحالات، قبل إبرام العقد، بشرط أن يطلب منه ذلك أحد طرفي الصفقة، وهو ما لم يحدث في بيع “الخبر” لـ”ناس برود”، ما يؤكد أن قرارا سياسيا اتخذ لضرب “الخبر”، وكان على القضاة أن يتدبروا أمرهم كيفما كان الحال، لتنفيذ هذا القرار حتى لو تطلب ذلك الدوس على القانون.

في مجال العقود يسود التعاملات الرضائية مبدأ سلطان الإرادة، وإبطال العقد يكون في حالتين فقط: إما لوجود عيب في إرادة أحد الأطراف، أو أن سبب البيع غير مشروع، والحالتان غير متوفرتين في صفقة بيع “الخبر”، ما يؤكد أن القرار سياسي وليس قضائيا، وإلا ما هو الأساس القانوني الذي استند إليه رئيس الجلسة محمد دحمان، لتبرير تجميد الصفقة؟ القضاة الذين فصلوا بالتجميد مطالبون قانونا بالإتيان بالنص القانوني الذي يسمح لهم بتجميد العقد، لأن القانون يفرض عليهم تسبيب أحكامهم. وما دام لم يفعلوا ذلك، فهم نفذوا رغبة وزير الاتصال حميد ڤرين، وخالفوا القانون وضمائرهم. إذن القرار سياسي وليس قضائيا.

وقد وضع القضاة أنفسهم والجهاز الذي ينتمون له في ورطة، إذ كيف سيتم تنفيذ قرار بتجميد إرادتين في البيع والشراء؟ لهذا السبب يمكن القول إن قرار المحكمة الإدارية ولد ميتا، لأن لا أحد يستطيع تنفيذه بما في ذلك المحضر القضائي.

مجانبة المنطق في ما جرى أمس بالمحكمة، لا يتصل فقط بتجميد الصفقة، وإنما في الاعتراف لوزير الاتصال بالأهلية لرفع الدعوى العمومية. فالقانون العضوي للإعلام الذي تستند إليه الوزارة في شكواها، لا يعترف لها بأي تدخل في مجال الصحافة المكتوبة، وإنما سلطة ضبط الصحافة المكتوبة هي المخولة لذلك. لكن الحاصل أن هذه الآلية لم تنصب بسبب تقصير الحكومة، منذ 4 سنوات ونصف، وهذا في حد ذاته جريمة الحكومة هي المسؤولة عنها.

فيما جرى مع قضية “الخبر” يثبت مجددا أن النظام يعد قوانين بمثابة أفخاخ، إذ يجد لنفسه دائما موطئ قدم للتضييق على الحريات، من خلال هذه القوانين التي يزعم بأنه أصدرها لتعزيز الحريات. ففي سلطتي ضبط الصحافة المكتوبة والإعلام السمعي البصري، تحشر السلطة التنفيذية نفسها بتمكين رئيسها (رئيس الجمهورية)، من تعيين أغلبية أعضائهما. بينما الأصل أن يترك أمر اختيارهم كلهم لأهل المهنة. وزير الاتصال الذي يقول إنه يريد فرض احترام المادة 25 من قانون الإعلام، هو نفسه من داس على القانون وأهمله، لأنه تعمد عدم إطلاق ترتيبات تنصيب سلطة الضبط. إذن قبول دعوى الوزير وهو لا يملك الصفة، يؤكد أن قرار المحكمة سياسي بامتياز، يشبه إلى حد بعيد قرار “عدالة الليل” عام 2003، الذي ألغى نتائج مؤتمر الأفالان الذي زكى علي بن فليس آنذاك مرشحا لرئاسيات 2004.

ولوزير العدل الطيب لوح الأثر البالغ في تنفيذ قرار محكمة بئر مراد رايس. ففي اجتماع لمجلس الحكومة عقد منذ حوالي شهر، عاتب لوح زميله في الحكومة وزير الاتصال، على رداءة الدعوى التي رفعها بسبب احتوائها على تخبط متكرر فيما يخص الطلبات. وزير العدل كان يأمل لو استشاره ڤرين في كيفية صياغة الدعوى، وفي الإجراءات المتبعة ضد “الخبر”، حتى لا يظهر القضاء في صورة غير المشرفة كالتي ظهر عليها أمس، وهو ما يثبت تواطؤ لوح في هذه الفضيحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى