الحدث الجزائري

تسرع في إعداد قوانين قاهرة وضغط على البرلمان لتمريرها تحسبا للمرحلة القادمة

يؤكد الضغط الذي فرضته الحكومة على البرلمان، للمصادقة على القوانين ذات الصلة بالحريات والممارسة الديمقراطية، أن الجماعة التي تسيطر على الحكم حاليا لا تتحمس لأي مشروع وتحرص على تنفيذه إلا إذا كان يخدم المصلحة الشخصية. وقياسا إلى أن رهان الجماعة في الوقت الحالي مرتبط بمصير بوتفليقة في السلطة، فالمصلحة تقتضي الترتيب للمرحلة المقبلة بقمع أي صوت معارض، خصوصا الإعلام غير الموالي لهذه الجماعة.

يتلكأ مكتب المجلس الشعبي الوطني، دائما ويرفض، غالبا، التعامل مع مقترحات القوانين والمبادرات التي تأتي من النواب، إذا رأى بأنها لا ترضي الأشخاص المتواجدين في السلطة، إلى درجة أنه لم يعد أي جدوى من وجود الغرفة الأولى كسلطة رقابة على أعمال الحكومة، طالما أنها تحولت إلى ما يشبه هيئة ملحقة بالجهاز التنفيذي. والدليل جاء مؤخرا مع حادثة البرلماني “سبيسيفيك”، الذي لم يبادر مكتب المجلس من نفسه بمعاقبته، وإنما فعل ذلك بأمر من الوزير الأول! الأدلة المشابهة عديدة، أقواها ربما تعطيل مقترح قانون لتجريم الاستعمار في 2010، فمكتب المجلس آنذاك أذعن لأوامر من الرئاسة بوضعه في الدرج، لأن المبادرة تفسد علاقات أشخاص في النظام بفرنسا ولا تخدم مصالحهم الشخصية.

في البلدان التي تمارس الديمقراطية الحقيقية، يدافع رئيس البرلمان عن حرية النواب في انتقاد الوزراء ويشجعهم على التشدد معهم، لا أن يصطف وراء الحكومة للتضييق عليهم! عندنا يحدث العكس تماما، بل إن النواب في الجزائر حريصون جدا على تنفيذ مشاريع الحكومة وبسرعة، خاصة إذا كانت لا تخدم مصلحة المواطنين الذين انتخبوهم!

من أكثر النصوص إثارة للجدل، ذلك المتعلق بالمستخدمين العسكريين الذي لم تعدله الحكومة منذ صدور نسخته في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين. وعندما رأت ضرورة في تغييره، أدرجت فيه مواد تغلق أفواه الضباط المتقاعدين وتحجر على آرائهم ومواقفهم السياسية، ما داموا أحياء. ولم يتضمن هذا النص أي تدقيق في “الالتزام بواجب التحفظ”، ما يترك المجال مفتوحا لقيادة الجيش، لتقدير تصريحات ومواقف المتقاعدين كما تشاء. بمعنى، إذا تفاعل أحد الضباط المتقاعدين مثلا مع سياسة محاربة الإرهاب، في الإعلام، قد تفسر قيادة الجيش ذلك بأنه إفشاء لسر عسكري. وإذا أبدى آخر رأيه في قائد أركان الجيش، قد يقع تحت طائلة “إضعاف معنويات الجيش” كما حصل للجنرال حسين بن حديد.

ولا يمكن الاقتناع بأن هذا القانون ينسحب فقط على إفشاء الأسرار العسكرية، لأن النص الأصلي يتناول هذا الجانب، ولأن كل الضباط المتقاعدين لا يمكن أن يصابوا بالتهور حتى يتسببوا في ضرر بمصالح الجيش والبلاد، والمؤسسة العسكرية وقادتها يدركون هذا جيدا. إذن الهدف من القانون هو حرمان متقاعدي الجيش من الاشتغال بالسياسة، خاصة إذا تعلق الأمر بشؤون الرئاسة والمؤسسة التي كانوا ينتمون إليها.

ومن القوانين التي أثارت السخط أيضا، النص الذي ينظم الانتخابات وآخر يستحدث هيئة مستقلة لمراقبة الانتخابات. فأغلب الأحزاب، باستثناء التي تمثل الأغلبية الموالية للرئيس، رفضتها بشدة وتم منع نوابها من إدخال أي تعديل عليها. وتهديد هذا الأحزاب بمقاطعة التصويت على القوانين، في مسعى لإزالة المصداقية عنها، تتعامل معه السلطة بازدراء وعنجهية يعكس عدم اقتناع بالتعددية المكرَسة دستوريا.

وقد جاءت العجالة في إصدار القوانين المذكورة، في سياق حملة مركزة استهدفت مجمع “الخبر” عن طريق توظيف القضاء لتجميد صفقة بيع أسهمه لأحد فروع “سيفيتال”، تمهيدا لإلغائها. ودفعت جماعة الرئيس بروح الانتقام التي تتملكها، إلى أبعد مدى، فأدخلت إلى السجن مدير “كا بي سي” ومسؤول إنتاج برنامج “ناس السطح” ومديرة مركزية بوزارة الثقافة، بسبب مخالفة مضمون تراخيص تسجيل برنامجين. مبرر السجن، حسب الحكومة، أنها تحرص على فرض احترام القانون. لكن نفس القانون يصبح فجأة غير قابل للتطبيق على الضالعين في نهب المال العام والرشوة وسوء التسيير والتبذير واستغلال الوظيفة، وما أكثرهم في هذه الحكومة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى