الحدث الدولي

الاتحاد الإفريقي “يؤدب” المغرب

أسوة بنظرائهم أعضاء الاتحاد الإفريقي، قررت دول الساحل مقاطعة منتدى داكار الدولي حول الأمن والسلام في إفريقيا، الذي رعته بشكل رسمي وزارة الخارجية المغربية، بالتنسيق المباشر مع وزارة الدفاع الفرنسية. وبالنسبة إلى المنظمين، شكل غياب الاتحاد الإفريقي ومؤسساته الرئيسية، وفي مقدمتها مجلس الأمن والسلم الإفريقي، برئاسة الدبلوماسي الجزائري اسماعيل شرقي، ومفوضية الاتحاد الإفريقي، بقيادة الدبلوماسية الجنوب إفريقية، نكوسازانا دلامينا زوما، صفعة موجعة للمغرب.

ركزت التقارير الإعلامية، وخاصة الفرنسية منها، كثيرا على هذا الحدث، على اعتبار أن الراعي هو المغرب، صاحب أكبر معضلة في القارة السمراء، اسمها الجمهورية الصحراوية، ركزت على الدور والتأثير الجزائري في دواليب الاتحاد الإفريقي، وإن كان لا يظهر كثيرا للعيان.

حول هذا الموضوع، يشدد عبد القادر مساهل، وزير الشؤون المغاربية والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية، على أن “الآلة الدبلوماسية الجزائرية تعمل ولا تتكلم. نحن لا نريد الأضواء، العبرة ليست في البهرجة الإعلامية”، التي تعتبر ديدن الجار المغربي.

ورغم الطابع الاستثنائي لهذا المنتدى، المنعقد يومي 4 و5 ديسمبر الجاري (أي بالتزامن مع منتدى الاستثمار في إفريقيا بنادي الصنوبر)، عرف مقاطعة تاريخية لحدث أمني بامتياز.. والسبب لا يخرج عن “نوايا سيئة” مبيته من طرف الرباط لضرب وحدة وتماسك الاتحاد الإفريقي، وهز ثقة أعضائه في جبهة البوليزاريو والجمهورية الصحراوية، العضو المؤسس.

غياب الرئيس الحالي للاتحاد، رئيس تشاد، إدريس ديبي، ومعه رئيسة المفوضية، زوما، ورئيس مجلس الأمن والسلم، شرقي، ترك مناطق ظل عديدة، وأدخل الشك في نفوس المنظمين، ورعاتهم الفرنسيين، خاصة وأن أكبر تكتل معني بمكافحة الإرهاب في القارة السمراء، المتمركز في الساحل، برئاسة الجزائر، كان غيابه لافتا للانتباه.

ورغم محاولات باريس زرع الشقاق داخل هذا التحالف عبر إنشاء ما يسمى “مجموعة 5 ساحل”، إلا أن رؤساء دول هذه المجموعة كانوا أبرز الغائبين، لأسباب عديدة؛ أهمها عدم تطابق وجهات النظر والعلاقة الباردة مع مستضيف المنتدى السينغال. بينما فضلت الجزائر إيفاد سفيرها في داكار، بوعلام حسان، لتمثيلها لـ”اعتبارات خاصة”.

بالمقابل، شكل حضور الاتحاد الأوروبي حجر الزاوية في هذا المنتدى، على خلفية مخاوف أعضائه من اتساع رقعة الإرهاب وأمواج الهجرة السرية، التي باتت مصدر صداع يصعب التخلص منه، في ظل مقاربة غير واقعية، ترمي إلى تحويل الدول الإفريقية إلى سجون بشرية  حراسها أنظمة غير ديمقراطية، ينخر أجسادها الفساد والتبعية.

فقد أوفد الاتحاد الأوروبي مسؤولة الشؤون الخارجية والسياسية والأمن، فيديريكا موغريني، إلى داكار، معلنة في كلمته بالمناسبة تخصيص ميزانية خاصة بتجهيز الجيوش الإفريقية في حربها ضد الإرهاب، بالإضافة إلى التكوين والتدريب.. لكنها شددت على أن الأمر لم يعتمد بعد، بل يوجد قيد البحث والنقاش.

من جانبها، الأمم المتحدة كانت حاضرة في المنتدى، ممثلة بمساعد الأمين العام المكلف بعمليات حفظ السلم، الفرنسي هيرفي لادسوس، الذي أعلن بنبرة متشائمة أنه كان من الأجدر على القادة الأفارقة الحضور إلى المنتدى للاستماع والتصفيق على ما ستقوم به المنظمة الأممية من أجل الأمن في القارة السمراء. كاشفا النقاب عن “استعمال الطائرات دون طيار لأغراض المراقبة في إطار حفظ السلم”.

ولأن الجيران والدول الأوروبية لا يتقنون سوى الاستنساخ، فقد حاول المنتدى الانقضاض على المقاربة الجزائرية في مجال مكافحة الإرهاب والقائمة على “استهداف التطرف المؤدي للعنف دون سلاح”.. وهذه المقاربة التي تعمل الجزائر بالشراكة مع الأمم المتحدة منذ أشهر، ومؤخرا مع الاتحاد الإفريقي، من أجل تجسيدها على أرض الواقع بعد تمكينها من العقول.. والتي تقوم على تجفيف منابع العنف باعتماد الديمقراطية كوسيلة لامتصاص السخط والغضب الجماهيري، وإصلاح أنظمة الحكم، وإشراك الجميع في إدارة شؤون الدولة.

وفي كواليس المنتدى، ذكرت التقارير الإعلامية أن رئيس الاتحاد الإفريقي، التشادي إدريس ديبي، رفض التنقل إلى داكار لخصومة مع رئيس السينغال، ماكي سال، بسبب التنافس على مقعد رئيس مفوضية الاتحاد، الذي سيفتح باب الترشح عليه في قمة جانفي القادم.

أما عن غياب زوما، فإن التقارير تقول إنها قاطعت المنتدى بسبب خلاف مع السينغال حول تبنيه شروط المغرب للانضمام للاتحاد الإفريقي، وأهمها طرد الجمهورية الصحراوية وهي العضو المؤسس، إضافة إلى تلقيها اتهامات من عرش المخزن بفرملة مسار الانضمام، وحث السينغال على قيادة مؤيدي الانضمام في القمة المرتقبة في أديس أبابا، العاصمة الإثيوبية.

ومن الغيابات اللافتة، عدم تنقل الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، والرئيس النيجري محمد يوسف، لنفس الأسباب، وهي العلاقة الفاترة مع نظيرهما السينغالي ماكي سال. في حين لجأ الرئيس المالي إبراهيم بوبكر كايتا، إلى تبرير غيابه بالإرهاق الذي يعاني منه جراء رحلة العودة من زيارة للإمارات العربية المتحدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى