الدولي

بعد انضمامها الى حلف الناتو..فنلندا تتخلّى عن حيادها

لم يكن مفاجئاً إعلان فنلندا انضمامها رسمياً إلى حلف الناتو واقلاعها طوعياً عن سياسة الحياد، إضافة إلى جارتها السويد، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، نتيجة ضغوط علنية ومباشرة من واشنطن في سياق استراتيجيتها الكبرى لمحاصرة روسيا.

            لم تُخفِ واشنطن أهدافها الكونية، وخصوصاً في مواجهة الاتحاد السوفياتي السابق، ولاحقاً روسيا الاتحادية، باعتمادها مبدأ ضرب الخصم في خاصرته الضعيفة، وإدامة استنزافه طمعاً في تشكيل منصة انطلاق إلى داخل أراضيه والعمل على تفتيت لحمة أواصره وقيمه.

            وقامت الولايات المتحدة بدور نشط في دعم مجموعات محلية وتأييدها وتسليحها، بدءا من الشيشان في الزمن الغابر، مروراً بأوكرانيا، وليس انتهاءً بأذربيجان، بغرض تعطيل عجلة التطور المحلية والبناء الذاتي والنهوض الاقتصادي، والأهم دقّ إسفين في مدماك البنيان السياسي للدولة.

            تدخّل واشنطن في الشؤون الداخلية لكافة بلدان المعمورة تجاوز التكهنات والتحليلات، وقطع الشك باليقين، نظراً إلى مكانتها العضوية في سياساتها الخارجية على مر العصور، ومنذ تشكل أركان الكيان السياسي الأميركي.

            وارتأت مفاصل مراكز القوى السياسية والعسكرية والأمنيةالأميركية الاعتماد شبه الكلي على حروب تشن “بالوكالة” رغبةً منها في تفادي إخفاقاتها المكلفة السابقة في فيتنام وأفغانستان والعراق، من دون التخلي عن تعديل رقعة وجودها العسكري في أي منطقة مرغوبة بـ “قوات خاصة” أو ما شابه.      

ووجدت نخب واشنطن ضالّتها في ارتهان شرائح واسعة في البلدان المستهدفة لتوجهاتها في مقابل “إثراء شخصي” على حساب المصالح العامة. واعتبرت رضوخ فنلندا لسياساتها وعضويتها في حلف الناتو  إضافة نوعية لمحاصرة روسيا، وامتداداً الصين، بمضاعفة مدى الحدود المشتركة، نحو 800 ميل، التي كانت يوماً مصدر استقرار، والقول إن “بحر البلطيق كان بحيرة روسية، يتحكم الناتو الآن في خاصرته الشمالية”، (يومية “فورين بوليسي”، 6 نيسان/إبريل 2023).

سياسات فنلندا الأمنية السابقة كانت موصوفة بالبراغماتية بين القطبين الدوليين، من مثل اعتمادها على نظام التجنيد الإلزامي، وقوامه نحو 22 ألفاً، وحفاظها على قوة أكبر من الاحتياط يصل تعدادها إلى 280 ألف عنصر، وتواضع انفاقها السابق على المسائل العسكرية بنسبة 1.6% من الناتج القومي إبّان الحرب الباردة، وبلوغه نحو 2% من ميزانيتها العامة، وهي النسبة التي حددتها واشنطن كحد أدنى لدول الحلف.

وعام 1992 أبرمت اتفاقية مع الولايات المتحدة لشراء “64 مقاتلة من طراز أف-18 أس” شكّلت اللبنة الأولى للانخراط العملي مع القوات الأميركية عبر تدريبات مشتركة ومناورات بحرية في مياهها، فضلاً عن تواصل شرائها معدات عسكرية أميركية صاروخية ومدرعات ومدافع ثقيلة وسفن حربية، وصولاً إلى إبرامها صفقة حديثة (2021) لشراء مقاتلات أميركية متطورة من طراز أف-35.

أمام هذا “الانتصار” الأميركي المرحلي بالوكالة، تجدر الإشارة إلى مشاركة قوات فنلندا العسكرية مباشرة في عدد من المغامرات الأميركية في العالم “منذ عقد الخمسينيات”، نذكر منها لبنان وكوسوفو والعراق ومالي والصومال وعموم الشرق الأوسط ومياه البحر المتوسط، وقريباً في أوكرانيا.

وقد استجابت لطلب واشنطن في شباط/فبراير 2022 للمشاركة في تدريبات مشتركة مع حلف الناتو، عملية “التجاوب القارص”، في النرويج، وبلغ عدد أفراد قواتها نحو 680 عنصراً، من بينهم 470 من سجلات الخدمة الإلزامية، ما أثار مجدداً الجدل الداخلي بشأن عضوية حلف الناتو.

وتشير البيانات الفنلدنية الرسمية إلى تأييد الغالبية العظمى من كبار السن، 70%، الانضمام إلى حلف الناتو ي مقابل معارضة معتبرة من جيل الشباب (صحيفة “هيلسينكي تايمز”، 28 نيسان/إبريل 2022).

تمدد قوات فنلندا العسكرية وتعدّد مهامها إلى جانب القوات الأميركية وفّر لها اكتساب خبرة ميدانية متواصلة، وجاهزيتها للانتشار في مناطق يحددها حلف الناتو، بقيادة واشنطن زادت، بيد إن الرهان على ممارسة فنلندا دوراً حاسماً في استهداف خاصرة روسيا على طول الحدود المشتركة لا يندرج في حُكم المسلّم به.

وحسمت صحيفة “نيويورك تايمز” بتاريخ 8 نيسان/إبريل 2023 جدل اشتباك قوات أوروبية أخرى مع القوات الروسية بالدلالة على متانة تحالف موسكو وبكين، إذ تعتبر “الصّين أولويتها الاستراتيجية مع روسيا في عدائهما المشترك” للاستراتيجية الأميركية التي تراهن على عدم تطور نتائج زيارة الرئيس الفرنسي لبكين كنموذج لفصل ارتباط أوروبا بالولايات المتحدة.

بواسطة
الجيريا برس
المصدر
منذر سليمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى